أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

240

شرح مقامات الحريري

إنّ النّجوم نجوم الجوّ أحقرها * في العين أكثرها في الجوّ إصعادا [ من نوادر الولدان ] ولمّا ذكر لهذا الصبيّ من فصاحة اللسان وبراعة البيان ما ذكر ، وجب علينا أن نذكر من نوادر الولدان فصلا كافيا يؤنس بما ذكر ، لئلا نخلّ بما شرطناه ، فقد تروى للولدان نوادر ، ربما عجزت عنها الكهول ذوو البصائر . حكى الخطّابيّ أنه قدم على عمر بن عبد العزيز وفد فيهم شاب ، فتحوّس للكلام ، فقال عمر : كبّروا كبّروا ، أي ليتكلّم الكبراء منكم ، فقال : الغلام يا أمير المؤمنين ، لو كان [ الأمر ] بالسنّ لكان في المسلمين من هو أسنّ منك . قال عمر : صدقت ! تكلّم . فتحوّس : فتهيّأ للكلام . وفي رواية : قدم وفد الحجاز على عمر فقدّموا غلاما منهم للكلام ، فقال عمر : مهلا ، ليتكلّم من هو أسنّ منك ، فقال الغلام : مهلا يا أمير المؤمنين ، إنّما المرء بأصغريه : قلبه ولسانه ، فإذا منح اللّه العبد لسانا لافظا وقلبا حافظا فقد أجاد له الحلية . قال : تكلّم ، قال : نحن وفود الشكر ، لا وفود المرزئة ، لم تقدمنا إليك رغبة ولا رهبة ، لأنّا أمنّا في زمانك ما خفنا ، وأدركنا ما طلبنا . ودخل محمد بن عبد الملك بن صالح على المأمون حين قبضت ضياعهم وهو غلام صغير ، فقال : السّلام عليك يا أمير المؤمنين ، محمد بن عبد الملك ، سليل نعمتك وابن دولتك ، وغصن من أغصان دوحتك ؛ أفتأذن لي في الكلام ؟ قال : نعم . فحمد اللّه تعالى وصلّى على نبيه ، ثم قال : أمتعنا اللّه بحياطة ديننا ودنيانا ، ورعاية أقصانا وأدنانا ، ببقائك يا أمير المؤمنين ، ونسأله أن يزيد في عمرك من أعمارنا ، وفي أثرك من آثارنا ، ويقيك الأذى بأسماعنا وأبصارنا ، هذا مقام العائذ بظلّك ، الهارب إلى كنفك وفضلك ، الفقير إلى رحمتك وعدلك . ثم سأل حوائجه فقضاها . وقحطت البادية أيام هشام بن عبد الملك ؛ فوفد عليه رؤوس القبائل فجلس لهم ، وفيهم صبيّ ، ابن أربع عشرة سنة ، يسمّى درواس بن حبيب ، في رأسه ذؤابة ، وعليه بردة يمانية . فاستصغره هشام وقال لحاجبه : ما يشاء أحد أن يصل إلينا إلا وصل ، حتى الصبيان ! فقال درواس : يا أمير المؤمنين ، إنّ دخولي لم يخلّ بك ولا انتقصك ، ولكنّه شرّفني ، وإن هؤلاء قدموا لأمر فهابوك دونه ، وإن الكلام نشر ، والسكوت طيّ لا يعرف إلا بنشره ؛ فأعجبه كلامه ، وقال : انشر لا أمّ لك ! فقال : إنا أصابتنا سنون ثلاثة ، فسنة أكلت اللحم ، وسنة أذابت الشحم ، وسنة أنقت العظم « 1 » ، وفي أيديكم فضول أموال ،

--> ( 1 ) النقى : منح العظم ، وأنقت العظم : أي أخرجت النقى منه .